الحكيم الترمذي
38
كيفية السلوك إلى رب العالمين
مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النّحل : 106 ] ، فبين اللّه عذره أنه لم يضره ذلك لا طمأنينة قلبه على صدق الإيمان . ويثاب العبد لعمله بالأركان إذا صحت نية قلبه على ذلك بنور الإيمان ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يثاب الناس على قدر نياتهم » « 1 » ، « وإنما الأعمال بالنيات » « 2 » ، و « لا عمل لمن لا نية له » « 3 » . فالصدر موضع يصدر إليه علم العبارة ، والقلب معدن العلم ، والذي تحت علم العبارة ، وهو علم الحكمة والإشارة . وعلم العبارة حجة اللّه على الخلق ، يقول اللّه لهم : ما عملتم فيما علمتم ؟ وعلم الإشارة محجة العبد إلى اللّه بهداية اللّه تعالى له ، إنه منّ عليه بكشف قلبه بمشاهدة غيبه ورؤية ما وراء حجبه ، كأنّه يرى ذلك كله بعينه ، حتى لو كشف له الغطاء لما زاد في نفسه ، فالقلب موضع علم الإشارة . ومعنى علم العبارة أن يعبّر باللسان ، ومعنى علم الإشارة أن يشير بقلبه إلى ربوبيته ووحدانيته وعظمته وجلاله وقدرته وجميع صفاته وحقائق صنعته وفعله . ومعدن نور الإيمان ونور القرآن معدن واحد ، وهو القلب ، وكلا النورين شكلان ، قال اللّه تعالى : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً [ الشّورى : 52 ] فجمع بين النورين بالهاء كناية الواحد . ومعنى الإشارة أنه مذ أشار إلى ربه بالربوبية لم يكفر به ولم يشكر غيره ولا يرجو أحدا سواه . واعلم أن نور القلب على سبيل الكل لا يتجزأ ولا يتبعض لأنه أصل يجيء كله إذا جاء ويذهب كله إذا ذهب . وكذلك ظلمة الكفر ، لأنها أصل كل مصيبة إلا أن تذهب ، وربما يضعف ويتهيأ ويتبعض سلطانها مثل السراج إذ هو سراج واحد إن زاد ولاية نوره أو نقصت . وأما نور الصدر وظلمته فإنه يزيد وينقص ، لأن هذا فرع وهو بالنفس يقام ، وعيّن به الإسلام . ومنه يدخل النقصان في هذا الوجه من الدين ، وربما يزيد فيه ، والدليل على ذلك ما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في شأن النساء فقال : « ناقصات عقل
--> ( 1 ) لم أجده بلفظه فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 3 ) رواه البيهقي في السنن الكبرى ، باب النية . . ، حديث رقم ( 179 ) [ 1 / 41 ] .